أخبار عاجلة

اللغة أشياء أخرى… / د. اعل الشيخ أحمد الطلبة

2 يناير,2014 - 16:30

أعل الشيخقد لايختلف الكثيرون معي في إدعاء أن معظم الكتابات اليوم تنفر المرء منها أكثر من الإستعطاف والغواية التي، في العادة، تمارسها اللغة على كل إنسان له عقل ويشعر بوخز الهوية وينبض في أحشائه قلب بلون الثقافة…
هناك كتاب قليلون يستميلونك بتسلسل أفكاركهم وعمق طرحهم وإتساع أفقهم المعرفي والثقافي مثل الدكتور المختار بن الغوث الذي تستحق علينا أفكاره القراءة المتأنية بكل أشكالها الفنية وأدواتها التقنية…
بل قد نتقارب أكثر إذا اتفقنا مع اللغويين المعاصرين ان اللغة كالثقافة كائن حي يتطور ويعيش ويموت تماما مثل الإنسان. فمثلا اللغة العربية كانت أداة البحث والإكتشاف والعلم ولكنها تراجعت على مستوى الثقافة والهوية ولذلك أصابها الوهن الذي أصابنا يوما…
لقد قرأت مقال الدكتور المختار عن اللغة والهوية والثقافة والذي حاول فيه البرهنة على أن اللغة في بعديها اللفظي والدلالي لاتعدو كونها وعاءا للثقافة التي بدورها جوهر الإختلاف بين الشعوب وميسم الهوية. لكنني لاحظت أن أستاذي الدكتور المختار حافظ على الكثير من الألفاظ القديمة والتعاريف التي تمت غربلتها وإعادة صياغتها بطريقة أقرب الى الواقع اليوم من تلك التي استخدمها السلف في القرن الرابع والخامس هجري، ويتجلى إستخدامه لهذا المعجم القديم في إيضاح معاني اللغة والعقيدة والغيب كالآتي:
اللغة: ” دليل العقل، ومستودعه الذي يوعي من نتاجه ما لا يوعي غيرُه من وسائل التعبير، كالعمارة، والنحت، والرسم، التي تفتقر كلها إلى اللغة في حلِّ رموزها، وتفصيل مجملها، وليس فيها ما يقوم مقامها، أو يدانيها في وظيفتها.”
نلاحظ من خلال هذا التعريف غياب الوظيفة الأساسية للغة والتي أجمع عليها كل اللغويين دون استناء وسمتها والغرض منها والتي هي “التواصل” والذي يرادف في الدلالة التفاهم وخلق أرضية مشتركة للحوار والإستماع والتعبير وتجاوز الخطوط الفاصلة. قد يرد البعض إن الدكتور تحدث عن جانب اللغة الثقافي وعن علاقتها بالهوية، لكن هذا العذر غير مبرر لأننا بالحديث عن الثقافة والهوية إنما نطرح أنفسنا وهويتنا وإختلافنا بالتقابل والمقارنة بين الذات والآخر. ومن هنا، فإن مجرد التفكير في اللغة والهوية والثقافة يستدعي الإحاطة بالصورة في إطارها التواصلي والتاريخي. فاللغة أداة تواصل ومطية للثقافة وحاضنة للهوية…
العقل: ” هو جوهر الإنسان الذي عليه مدار التشريف والتكليف، والاستخلاف والاستعمار، والحرية والاختيار. ”
شخصيا، أعتقد ان هذا التعريف اقرب للفقه من اللغة. ولذلك تبادر الى الذهي تساؤل لم يجب الدكتور الفاضل عنه: ماهي علاقة اللغة بالعقل؟ وهل اللغة عقل في حد ذاتها؟ ولو كانت عقلا، فهل هي واعية بذاتها وبهويتها؟ وهل يحيط العقل بجوهر الإنسان؟ أم أن الإنسان متعدد الألسن والعقول؟
العقيدة: “من العَقْد، وهو: الشَّد والوثوق، ثم استُعمِلت فيما لا يقبل الشك والنقض من الأحكام، كأن القلب عُقِد عليه كما يُعقَد على ما يُخْشى ذهابه من مُهِمِّ الأشياء.” هذا التعريف اللغوي للعقيدة يستثني المعنى الإسطلاحي والدلالي للعقيدة والذي ظل ولازال مبحثا فقهيا كثير التشعب والبحث فيه يطول.”
مرة أخرى يعود التساؤل: هل للعقيدة علاقة بالعقل فقط دون اللغة؟ وأين مكانة اللغة في العقيدة؟ وهل اللغة شرط في تصحيح العقيدة؟ وهل هناك عقيدة واحدة أم انها تتعد بتعدد القراءات والإجتهادات؟ ولماذا نقول إننا في المغرب العربي وفي منكبنا البرزخي خصوصا نعتنق “عقيدة الجنيد السالك” في إطار المذهب المالكي؟
الغيب: ما اطمأن من الأرض….ثم استُعمل فيما يغيب عن الحس من حقائق الوجود الدنيوية والأخروية، تشبيها له بما انخفض من الأرض؛ لأنه يغيب عن العين، ويغيب عنها ما يكون فيه. والإخبات مشتقٌّ من الخَبْت، وهو: ما انخفض من الأرض واتَّسع، وسُمِّيَ الخشوع والتواضع إخباتا لأن فيهما تنزُّلاً بالنفس عما تنزع إليه من التعالي والكبرياء.”
هل يكفي أن يكون الغيب غائبا في ظل الحضور؟ ربما نحتاج من الدكتور المختار شرحا أكثر وأعمق للغيب، شرحا يستوعبه العقل وتتحمله اللغة دون إشباع وإطناب وإعادة سبك للتعاريف القديمة السطحية…
إن معالجة الدكتور المختار لموضوع الهوية واللغة والثقافة وعلاقتها بقدرة الشعوب على الإستقلال والتسمك بالهوية وجزمه بأن الشعود تضعف وتهن بضعف اللغة وتسقط في هوة المحاكاة إذا هي تراجعت عن ثوابت هويتها. هنا، لا أختلف مع أستاذي الدكتور المختار في أهمية اللغة وضرورة التعلق بالهوية رغم غواية الأمكنة وعذابات الأزمنة، لكنني أعيب على استاذي النظر الى أفعال الشعوب من منظور أحادي. فالإنسان مخلوق متعدد الأبعاء إذ صح منه العزم وحصلت الإرادة…
يقول الدكتور إن “(الشعوب) تتوهم أنها نظير من تحاكي وندُّه، ولا تدرك ما بينها وبينه؛ لأنها لا تعرف الغاياتِ والمُثُلَ استقلالا، ولا تبصر الطريق إليها إلا اتباعا. يُرى ذلك في حياة الشعوب التي تخلَّت عن هويتها في هذا العصر، فإن أكثر ما استمالها من حضارة الغرب الاستهلاكُ، والحرية غير المتعقِّلة، والمُتَع المادية، والتمرُّد على الأعراف، والفضيلة، والولَع بالمظاهر، كحلق اللحى والشوارب، واللباس، وعقْد الأُرَب في الأعناق، والأكل بالملاعق والشوك، واتخاذ الكلاب، وتعشُّق العادات السلبية، كالتدخين، والرقص، والسماع، والاختلاط، واسترجال النساء، وتأنُّث الرجال، إلخ”
هذا القول فيه لبس وخلط للأشياء الحميدة مع أخرى تختلف بإختلاف الثقافة واللغة. فقد نعتبر كعرب ومسلمين أن المثليين لاحق لهم وهم خارجون عن الملة ومغيرون لخلق الله إنطلاقا من مرجعيتنا الدينية أو العقائدية التي “تربط” وتعقد” العقل عن إستيعاب الآخر بكل سلبياتها وإختلافه، بينما ينظر آخرون الى الموضوع في إطار حرية المعتقد والتصرف…
وكذلك إعتبار الرقص وحلق اللحى وربط الأرب في الأعناق والإختلاط والأكل بالملاعق عادات سلبية فيه الكثير من الإقصاء و “الوهبنة” الغير مبررة والتي لاتستند الى أي إجتهاد فقهي بإستثناء الرقص والذي يعتبر من أقدم الفنون الجميلة والرائعة. فقد اباحه بعض الفقهاء في حضرة الأمراء والقصور منذ بني أمية والعباسيين ويزخر الأدب العربي والإسلامي الجاهلى والمعاصر بالقصص والحكايات عن هذا الفن…
أما الإختلاط فهم مفهوم وهابي محض وكلمة حق أريد بها باطل. لأن المرأة اليوم تتمتع بكل حقوقها من الدراسة والعمل جنبا الى جنب في كل الدول العربية والإسلامية وفي كل أرجاء المعمورة بإستثناء تلك الأرض الطيبة التي يستحق أهلها أكثر…
أثبتت المرأة قدرتها على الإلتزام والتدين والعمل والإختلاط بالرجال بل وتجاوزتهم في أغلب المجالات والمجتمعات وأقرب دليل على ذلك دول الخليج التي تعتبر المرأة فيها أكثر انتاج وطموح وتعليم من الرجل…
هذه مجرد ملاحظات هامشية لقارئ قد يسيء القراءة وقد يخونه الفهم والإستيعاب لكنه يتمع بكامل الحق في القراءة والتعليق. فلو لم تعجبني الكتابة والموضع لما شرعت اصلا في الخطيئة الأخلاقية التي تسمى القراءة…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى