أخبار عاجلة

السفر إلى النبي ! / الشيخ ولد مزيد

13 يناير,2014 - 21:59

الشيخ مزيد  لم ترهقني الكتابة يوماً ولن ترهقني طالما أنني أدافع عن قناعةٍ وأكتبُ عن إيمان لكن هنالك مشاهد الكتابة عنها مرهقةٌ و التفكير في الكتابة عنها قرارٌ صعب وموقف مرتبك ، وحين تقرر الكتابة تضيع الحروف وتتلاشى الكلمات من أمام القلم لأنَ المشهد أكبر من توصيف الحرف ولأن اللحظة متجاوزة للأحداثِ و مسافرةٌ عبرَ الزمن وعَبر اللغةِ وتأخذُ في كل يوم ثوباً مختلفاً وتحتاجُ في كل يومٍ لفنٍ جديدٍ من الكتابة ومن التعبير.
المشهد هوًّ ميلادُ رجلٍ قبل أربعة عشرة قرنٍ وظهور دين وانطلاق ثورة إنسانية ، وعزائي في هذه المحاولة للكتابة أني سأكتبُ بحبرِ الصدقِ و بحناجرِ “الحراطين” المداحين للحبيب المصطفى، و بصوت الملعومة منت الميداح حين انتشت ذاتَ ليلةٍ مغنيةٍ لخاتم الأنبياء، وبترنيماتِ البرعي حين هام في حب النبيّ و الخليل النحوي حين طارح الهوى في حب الرسول الكريم عليه الصلاة و السلام شعراً أصيلاً ونغماً جميلا.
الكتابةُ عن النبيّ المصطفى ليستْ كتابةً نثرية خالصة إنها اقتباسٌ من القرآن ومقابلة مع الشعر وحديث عن أبواب السماء وضربٌ في شوارع اللغة ، وتحتاج لجنرال من جنرالاتِ اللغةِ، يَضع النجومَ الثَقيلة والنياشين الكثيرة التي تنوء بحملها الأكتاف والصدور، وتَخضع لأوامره فيالق الكلام وكَتائب النثر وتراكيب ودروع اللغة العربية الزرقاء كالأطلسيّ وقتَ الأصيل ، وأنا هنا أعلن حالة استنفار في كياني لأكتبَ حرفاً يسطرُ في سجلٍ حافل من المدائح عنونه رب السماء بقوله “وإنك لعلى خلق عظيم”.
المولد والثورة على الظلم :
في القرن السادس الميلادي والعالم يموج في الظلمات ، ولد محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم في مكة ملتقى القوافل والتجارة ومهد أصنام الآلهة التي تقدسها العرب ، وَمهد جاهليةِ التجارة وبيع النساء واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان ، مكة كانت يومها تعبير عن باناروما العالم الظالم في ذلك الزمن ، مكة يومها كانت تعبيرا عن رأسمالية العالم المتوحش مجسدةً في بني عبد الدار أثرياء قريش ومحتكري التجارة ، وكانت تعبيراً عن تسلط الإنسان وظلمه واستعلائه على أخيه الإنسان ، كانت تعبيراً مجسدا عَن كل الظلم المحيط بها وكانت صورة مصغرة عن إقطاعيات الفرس ومزراع الروم التي كانت تشيد بعرق الفقراء ودم المقهورين وكانت اللحظة الظالمة في الكون تحتاج لثورةٍ بحجم ظلم العالم ، وتحتاج لمخلصٍ ينقل عدالة السماء للأرض ويبشر بجنة الله وينشر الخير ويضرب على يد الظالمين .
ولد محمدٌ عليه الصلاة و السلام وأعلن الكون حالة الطوارئ استعداداً لاستقبال المخلص، عاش في مكة ثائرا على الظلم متألما لجراح الإنسان وبعث في عقده الرابع ليظهر للوجود تصوراً آخر للعدل ومنطقا مختلف عن السائد ، بعث النبي وتحول بلال إلى رجلٍ يحمل قضية ويدعو لدين ، وانتصر عمار وتحرر خبيبْ واقتنع عمر بن الخطاب أن لافرق بينه وبين صُهيب الرومي إلا بالعمل والجهد والتقوى .
من تلك اللحظة انطلقت قافلة الحق والعدل ، ومن تلك اللحظة أخذ التاريخ منعطفاً آخر وأصبح للإنسان آمن أو لم يؤمن قضية يسعى إليها وعدالة يسعى لنيلها وحق لايتنازل عنه ، إنها المفاهيم التي أنزلت على محمد من السماء فجسدها على الأرض ودعى إليها البشر وأرسل المستضعفين ليخبروا بها الطغاة والجبابرة ، هو منعطف كبير في التاريخ والمنعطفات التاريخية هي أكثر مايحير الدارسين لكنها لاتشكل لنا حيرةً أو عجزاً عن الفهم لأن ربنا عبر عنها بقوله ” إنا أرسلناك بالحق بشيرا و نذيرا “.
النبي في الذاكرة الجمعية الشعبية:
لاشكّ أن أشهرَ يوم عرفه الموريتانيون و احتفل به الموريتانيون وسافر بهم في الوجدانِ وعبرَ بهم شرايينَ الجغرافيا وطاف بِهم في الجزيرة العربية حيثُ ولد نبي الهدى هو هذا اليوم الذي تحتفل به مسايل “تكانت” وتنتشي به الصبايا في ليل “آدرار” المقمر وتقتل به انواكشوط ليلها الممل وتبتسم كثبان “اترارزة” ، وتدور حلقات الذكر بين مشايخ “فلان” ويوزع نساء “البولار” الحلوى ويحملن الدفوف محتفلين بمولد أعظم الخلق .
لمولد النبي في موريتانيا طعم مختلف عن أي مكانٍ في العالم ، هنا صوت “ابرور” مداح الرسول وصوت “لحراطين” الصادح بترنيمات حب النبي ، دندنات “الخليفة ولد ايده” رحمه الله وبكائية ديمي منت آبه في التعلق بالنبي أشياء مختلفة لكنها على حب النبي تلتقي وفي محرابه تذوب وجداً وعشقاً ، هنا الحلاج في اختلاف محل العشق ،وهنا العدوية رابعة سكرانة في حب المصطفى ، وهنا شعبٌ يمسكُ بتلابيب التاريخ ويصر على الحياة تحت الشمس ويعلن أن العلاقة بالنبي هي خيط صلة بالدين وهي خيط صلة بالحضارة وهي رافد لقاء بقريش وقصة عشقٍ مع الصحراء وقافلةٌ من الذكريات تعبر الأجيال وتسافر في شرايين الزمن
إنه الحبُّ الأصيل والوجد الثابت ولقاءُ الأرواحِ وعبور الزمن والإنتقال من القرن الرابع عشر إلى القرن الأول عبرَ براق الله وعلى ناقة نبيه “القصوى” فِي قافلة يَحدوها صوت “أبرور” وتسير فيها الأرواح طاهرة متعلقة بِربها وبرسوله مرددةً بحسانية قاصرة عن التعبير عن مايجيش في النفس” اخلق ليلة لثنين الناس ارقود” نَعم ولد الليلة واليوم ذِكرى المولد وموريتانيا مكانا وناسا تستقبل المولد وكأنه في كل مرةٍ مرته الأولى وفي كل ذكرى يتجدد اللقاء وتتجدد بيعة “الحب” للحبيب ، إِنها الذكرى الخالدة والذكرى الباقية والتي ترفض أنْ تستقر في التاريخ كحدثٍ ثابت وترفضُ أن تدخلَ أيّ متحفٍ لتستقر في أدراجه لأنها خلقت مع مولدها متحفاً نادرا خاصا بها وهو قلب كل مؤمنٍ وقلبُ كل مصدقٍ يسمعُ قوله “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.”
صلى عليك حبيبي يا حبيبي والسلام عليك يوم ولدتَ ويوم بعثتَ ويوم هاجرتَ ويوم انتصرت للفقير و أنتصر للعبدِ و للإنسان ورفضتَ العُنصرية و العرقيةَ والإثنية وكونتَ في مدرستك رجلا قال يوماً ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحررا”..السلام عليك يوم جاهدتَ وقاتلتَ وسال دمكَ الزكي ..السلام عليك يوم نمتَ ويوم تبعثُ شفيعا للعالمين.
تحياتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى